الثلاثاء، 26 يناير 2010

إعلام:المثلث الحرج: إسرائيل والولايات المتحدة والفلسطينيون

كتاب المثلث الحرج: إسرائيل والولايات المتحدة والفلسطينيون لنا عوم تشومسكي يتناول بالتحليل التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان في صيف 1982 والمعروف "بعملية السلام في الجليل" كدراسة حالة لرصد أبعاد العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

والكاتب ناعوم تشومسكي هو أستاذ اللغويات المعروف بنظرياته عن وحدة الأساس المعرفي Deep Structuresبالإنسان. وقد طبق هذه النظريات في مجال اللغويات Linguistics، حيث تقوم هذه النظريات على أن للإنسان قدرة كامنة innate على البناء اللغوي، وهي ما أطلق عليها generative syntax، ويعرف أيضاً بنشاطه السياسي المعادي للامبريالية الأمريكية في خلال حرب فيتنام، حيث صدر عدة كتب يدين فيها التدخل الأمريكي في جنوب شرق آسيا وإلى جانب ذلك هو يهودي غير صهيوني، وعلماني، وتعرض لاضطهاد من الطائفة اليهودية في أمريكا. من هنا تنبع أهمية هذا الكتاب إلى جانب أطروحته غير المسبوقة في الكتابات عن الصراع العربي- الإسرائيلي التي، وإن كنا، كقوميين عرب، نختلف معها، ولكن لأنها قادمة من ذلك العالم المستنير المناضل تستحق الترحيب والمناقشة. والأطروحة تقول باختصار أن سبب عرقلة عملية السلام في الشرق الأوسط يكمن في تلك العلاقة الخاصة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل وما يرتبط بذلك من الرفض المتبادل بين العرب والإسرائيليين. وسوق نناقش هذه الأطروحة فيما بعد، لنوضح أبعاد الخلاف معها.

والكتاب مقسّم إلى سبعة فصول كل منها يحتوي على العديد من المباحث. فالكتاب يبدأ بفصل موجز عن التمزق، الذي سبّبه التدخل في لبنان، في بنية النخبة الحاكمة الإسرائيلية. ويحتوي الفصل الثاني على إطار للتحليل، يقوم على فكرة انه لولا التأييد الأمريكي لما استطاعت إسرائيل أن تنجح في سياستها العدوانية تجاه دول المنطقة. وفي الفصل الثالث، يطور الكاتب الإطار التحليلي كصراع إقليمي ذي بُعد دولي. وفي الفصل الرابع يتناول الكاتب تاريخ الصراع الفلسطيني- الصهيوني كجوهر لهذا الصراع الإقليمي. ويأتي الفصلان الخامس والسادس عن التدخل العسكري في لبنان، باعتباره تصعيداً لتطور الصراع الفلسطيني- الصهيوني بأبعاده الإقليمية والدولية. وفي الفصل السابع والأخير يلخص الكاتب مقولته الأساسية في الكتاب بأن تاريخ التعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة والصراع بينهما وبين الفلسطينيين أصبح لا يقود إلاّ إلى كارثة وقد تكون نووية.

ومن المفترض أن الكتاب كتب من وجهة نظر مؤيدة إلى حد معقول للحق العربي، ووجهة نظر ناقدة إلى حد كبير للسلوك الإسرائيلي والأطماع الأمريكية في المنطقة. فتشومسكي المؤيد لفكرة السلام العالمي وعدم الحرب، والمؤمن بمبدأ الإخاء الإنساني ووحدته المعرفية يرى الشر في السلوك الإسرائيلي العدائي والسلوك العربي الرافض والسلوك الأمريكي الامبريالي.

والكتاب مكتوب بشكل وثائقي شامل، حيث تكثر المقتطفات من أقوال صانع القرار الإسرائيلي، والوثائق الأمريكية المتعلقة بالأمن والتي كشف عنها حجاب السريّة. هذا بالإضافة إلى استخدام المراجع باللغة الانكليزية. ولكن الكتاب لا يحتوي على وثائق باللغة العربية، ويمكن أن يفسر ذلك بعدم إلمام الكاتب باللغة العربية حتى يمكن الرجوع إليها.

وتناول هذا النوع من الكتابات بالمراجعة والعرض يمثل مشكلة حقيقية، تنبع من أن منطق الكتاب كالتالي: إطار مفهومي متضمن في أول أربعين صفحة، ثم بقية الكتاب وهي حوالي اربعمائة وخمسين صفحة عبارة عن إثبات امبريقي لصحة هذا الإطار. فالكتاب ومنطقه لا يتطور من نقطة إلى أخرى، بل يدور حول مقولة أساسية، مما يؤدي إلى التكرار والإرادة في الإثبات، فالعرض لكل فصل من الفصول إما أن يؤدي إلى إعادة تلخيص الكتاب، أو على إخلال واضح، وعدم إعطاء حق للجهد الامبريقي الشامل والممتاز الذي قام به الكاتب. والحل الذي يتبناه المُراجع هو عرض للإطار المفهومي أي توضيح المقولات الأساسية في هذا الإطار ثم محاولة قراءة في بعض الحوادث المثيرة التي يوردها الكاتب.

في بداية الكتاب يحدد الكاتب نطاق البحث بقوله: أن ما يلي ليس المقصود منه عرض أو تحليل شامل لشبكة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيين، وإنما له هدف متواضع يتمثل في التركيز على بعض عناصر العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وعلاقتهما بالسكان الأصليين (الفلسطينيين) من ناحية أخرى. وانطلاقاً من هذا التحديد فهو يسعى إلى تفسير الرفض الإسرائيلي الدائم للتسوية السياسية التي تقوم على احترام الحقوق الوطنية للسكان الأصليين وما يتبع ذلك من استخدام القوة والإرهاب والدعاية من الجانب الإسرائيلي. وانطلاقاً من هذا التحديد لموضوع الكتاب يؤكد الكاتب على أن المقصود ليس كتابة تاريخ سياسي للصراع أو الإشارة إلى ما هو صحيح في هذه العلاقة الثلاثية، بل توضيح ما هو خطأ، والذي يجب تغييره. ومنهج الكاتب في ذلك هو التركيز على الأفعال والسياسات الإسرائيلية، وذلك ليس بقصد إدانة هذه الأفعال بقدر ما هو إثبات انه لولا المساندة الأمريكية، ما كانت إسرائيل قادرة على الإتيان بها، ولإثبات ذلك فهو يأخذ حالة المذابح الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في أيلول/ سبتمبر 1982 في لبنان باعتبارها تشكل أكثر الإسهامات الأمريكية نحو خلق إسرائيل الكبرى.

والكاتب بوضعه المسألة بهذا الشكل يريد أن يقول لنا أنه إذا كان هناك أمل في التغيير وتحقيق التسوية السياسية فيجب عدم التركيز على القوى السياسية في إسرائيل التي تستهجن الأفعال الإسرائيلية الرسمية، بل يجب العمل على تغيير العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا، يمكن أن نفهم فكرته عن المثلث الحرج: فهذا المثلث قائم على قاعدة الرفض: الرفض العربي في مواجهة الرفض الإسرائيلي له من القوة والامتداد بحيث يحدد الضلع المقابل بالفناء، فحيث الاقتراب بين القاعدة والضلع الأمريكي- الإسرائيلي، الكارثة، حيث يختل ميزان القوى والمسافات، فتسود الفوضى واستخدام القوة والعنف. وبناء على ذلك، فكما أن العلاقة الخاصة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تغضب إسرائيل بعض الحين، فإن الكاتب يتنبأ بأنها سوف تضر بإسرائيل في التحليل النهائي.

ويعتبر مفهوم العلاقة الخاصة، مفهوماً محورياً في فهم تشومسكي للصراع العربي- الإسرائيلي، وهذه العلاقة الخاصة تجد شكلها المحدد في مستوى المساعدة العسكرية الاقتصادية الأمريكية لإسرائيل عبر الزمن. وتشومسكي يقدّر حجم هذه المساعدة في أنه آخذا لكل العوامل في الاعتبار، فإنها ترتفع لتبلغ ألف دولار سنوياً لكل مواطن إسرائيلي، فقد حصلت إسرائيل خلال السنوات المالية من 1978 إلى 1982 على 48 بالمائة من مجمل المساعدة الأمريكية العسكرية للعالم وعلى 35 بالمائة من مجمل المساعدة الأمريكية الاقتصادية للعالم. وفي خلال العام المالي 1983 طلب الرئيس الأمريكي ريغان حوالي مليارين ونصف المليار دولار من إجمالي 8.1 مليارات دولار مساعدات للعالم ومنها 500 مليون دولار هبات و 1.2 مليار دولار من القروض المنخفضة الفائدة. بالإضافة إلى العادة الأمريكية بإسقاط الديون الإسرائيلية، وبيع السلاح بسعر خاص منخفض إلى آخر ما هنالك من مساعدات خاصة تحت أسماء متعددة ومختلفة.

ويسخر الكاتب من موقف الكونغرس الأمريكي بعد حدوث مذبحتي صبرا وشاتيلا، بأنه كان أمام موقفين: أما الموقف المتشدد فيتمثل في الموافقة على طلب الرئيس ريغان بالمساعدات الاقتصادية لإسرائيل المشار إليها سلفاً، وإما الموقف اللين الذي دعا إليه البعض مطالباً بزيادة هذه المعونة وإضافة بعض المليارات الأخرى على ما اقترحه الرئيس الأمريكي! ويعتبر الكاتب هذا الموقف من اكبر المساهمات الأمريكية في المذابح الفلسطينية.

وتأخذ هذه العلاقة الخاصة، أبعادها الأيديولوجية، وذلك في الوهم المستمر لصانع القرار الأمريكي عن طبيعة المجتمع الإسرائيلي وعن الصراع العربي الإسرائيلي، فالمناقشة الموضوعية للسلوكيات الإسرائيلية غير مسموح بها في الصحافة الأمريكية.

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5430&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق