الثلاثاء، 26 يناير 2010

المواطن العربي في الصورة الإعلامية الأمريكية

لا تزال المنطقة العربية تعاني من حالة هيكلية من التبادل اللامتكافئ إعلامياً فيما يُعبّر عنه بحالة التبعية الإعلامية. وقد تبدو هذه الحقيقة غريبة خصوصاً أن هناك كثرة من الصحف اليومية العربية التي تطلق على نفسها مجلة العرب الدولية، ولكل دولة عربية وكالة أنباء ومراسلون في العديد من عواصم العالم، كما أنّ هناك عشرات من الإذاعات الموجهة، بل وللعرب أيضاً قمر للإتصالات وهو قادر على بث البرامج التلفزيونية العربية.

وإذا كانت وسائل الاتصال الجماهيرية هي في الأساس أدوات ثقافية وأنها تشكل الوسيلة المثلى في الحصول على المعلومات، فإنها بالفعل تكوّن بيئة المواطن الفعلية وتساعد على صياغة قيمه واتجاهاته وشخصيته. وتبدو تلك الفرضية صحيحة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تتضخم وسائل الإعلام ويعتمد عليها المواطن الأمريكي في تكوين منظومة متكاملة من الأفكار والقيم والإتجاهات إزاء الآخرين سواء كانوا شعوباً أو دولاً أو أفراداً.

وتقوم هذه الدراسة على استجلاء طبيعة وحجم ودور الرؤية الإعلامية الأمريكية للمواطن العربي. وإذا انتهت من استقرائها في الصحافة والكتب المدرسية والسينما والتلفزيون والثقافة الشعبية ووكالات الأنباء، فإنها تضع بعض الحلول المقترحة للخروج من المأزق المأزوم لمحاولة إصلاح الصورة العربية لدى الرأي العام الأمريكي.

مقدمة منهجية

تتلخص أهم جوانب رؤية الآخرين المهيمنة على الوعي الأمريكي في تغليب النواحي المادية في إدراك حقائق الكون والحياة والمركزية الأمريكية ونفي ما هو عربي أو غير أمريكي بصورة خاصة وقد تشكلت هذه النظرية التي لا تخلو من استعلاء عنصري وسادت منذ حرب الاستقلال الأمريكية. فقد تكرست مفاهيم غريبة إزاء الشعوب غير الأمريكية، أهمها أن هذا المجتمع قائم على الأفكار البيوريتانية الدينية وأنه يضم صفوة المهاجرين من العالم لأنه قائم على نفي الجنس الأصلي (الهنود). وصار النظام الأمريكي يفرض نفسه كحامل لرسالة حضارية لشعوب متصفة بالوحشية وعدم القدرة على الإنتاج. وفي هذا الإطار تبلورت الرؤية الأمريكية لأن الولايات المتحدة هي الحضارة أو النموذج التطوري الملائم لسائر التجارب الإنسانية. وقد عكست العلوم الاجتماعية وجهود المستشرقين، بدرجات مختلفة، هذا التوجه والتزمت به. ويلاحظ أنور عبد الملك أن مصطلحات مثل "العالم" و"العالمية" و"النظام العالمي" (القديم ثم الجديد) أثناء وبعد الحرب الباردة استُخدمت بإسراف خلال القرنين الماضيين من منظور حصرها في إطار العالم المتمركز في أوروبا وأميركا الشمالية باعتبار الولايات المتحدة هي المركز لكل العالم.

وتجد آلية التفكير الغربي / الأميركي في العرب نموذجاً يثبت صحتها، فالصورة النمطية المستقرة في تلك الآلية عن العرب تحمل معاني ودلالات سلبية مستمدّة من الحروب الصليبية والصراع الاستعماري وكتابات المستشرقين، إضافة إلى ما تقوم به عمليات التنشئة الاجتماعية ومناهج التعليم ووسائل الإعلام الغربية من أدوار في تشويه صورة العرب. "وتجدر الإشارة إلى أن الصورة النمطية والشخصية القومية والقيم والرموز، تدخل ضمن تشكيل رؤية الغرب للعالم وأنماط التفكير والسلوك السائدة في الحضارة الغربية. ولذا يمكن إدراك اتساق صورة العرب في الوعي العربي مع مجمل الرؤية الغربية للعالم".

إن صورة أي شعب أو دولة في نفس صانع القرار هي أحد العوامل المهمّة التي يُتخذ قرار بسببها، وأوضح الأمثلة الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان الذي اعترف بإسرائيل بعد قيامها مباشرة وكان له دور كبير في إكسابها شرعية الوجود. وبالرغم من أن موقف ترومان السياسي ذو خلفيات إيديولوجية وسياسية، إلا أن صورة العرب لديه هي نقطة الإنطلاق في فهم المسائل السياسية، يقول في مذكراته: "إن الشرق الأوسط كان ذات يوم مهداً لدول العالم العظمى وكانت تقطنه ملايين السكان، وظهرت فيه أمبراطوريات نبوخذ نصر وداريوس الكبير وأمبراطورية رمسيس الثاني في وادي النيل، واستغلت هذه الأمبراطوريات موارد المنطقة أفضل استغلال. وما أن ذهبت هذه الأمبراطوريات العظيمة حتى سادت الاختلافات واشتعلت الحروب الأهلية وساد التدهور العام. وإذا استثنينا فترة قصيرة فإن العرب لم يستطيعوا أبداً أن يعيدوا لهذه المنطقة نفوذها"، أي أن العرب قوم متأخّرون واليهود هم الذين سيطوّرون المنطقة وينهضون بها. أوروبا أول ما صدّتهم في معركة بواتيه وما لبثت أن أغارت عليهم في الحروب الصليبية ودحرجتهم بعد ذلك إلى أبواب فيينا".

ويكفي اعتراف الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون: "يتصور كثير من الأميركيين أن العرب هم شعوب غير متحضّرة ودمويّة وغير منطقيين، وأن سبب اهتمامنا بهم هو أن بعض زعمائهم يسيطرون بالمصادفة، على بعض الأماكن التي تحوي ثلثي البترول الموجود في العالم". وتفسر الدراسات الأميركية حالة التخلّف الاقتصادي وقصور نتائج خطط التنمية الاقتصادية في الدول العربية بانتشار القيم والأنماط والممارسات المرتبطة بالإسلام، بالإضافة إلى أن التراث العربي – الإسلامي لا يعرقل التنمية الاقتصادية فحسب، بل إنه يمنع التنمية الاجتماعية أيضاً؛ فالأحكام الشرعية تميّز بين الذكور والإناث في موضوع الإرث. ويشير بعض تلك الدراسات إلى أن "الدول العربية لم تكن تعرف الديمقراطية في أي مرحلة من تاريخها، وذلك لأنها لم تعرف العلمانية والتسامح بل قامت على قمع التيارات الأخرى بدعوى الاختلاف مع الدول والقائمين على السلطة انتهاكاً للدين".

وتهدف هذه المحاولة إلى فصم العلاقة الجدلية بين العروبة والإسلام ونتاجها الحضاري بإسقاط القوانين التي أفرزتها التجربة التاريخية للغرب من صدام بين الكنيسة والفئات البورجوازية الصاعدة على الواقع العربي، بالرغم من اختلاف الظروف الدينية والقومية وعدم وجود مؤسسة كهنوتية ذات قداسة تيسر لها ادعاء احتلال السلطة الدينية وممارسة سلطات دنيوية.

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5437&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق