الثلاثاء، 26 يناير 2010

السينما الصهيونية

يختلف تناول السينما الصهيونية قبل انشاء اسرائيل عن تناولها بعد انشاء اسرائيل. فبعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948 لم يعد هناك أدنى التباس حول حقيقة الحركة الصهيونية كحركة عنصرية. وأصبح من الواجب على كل فنان ان يحدد موقفه بوضوح عندما يتطرق الى المشكلة اليهودية. لم يعد هناك مجال لوضعالأقنعه . كما لم يعد هناك مجال للناقد أو المؤرخ أيضا للحديث عن اية أقنعه أو أية مؤامرات تحاك في الظلام.

والسينما الصهيونية مثل السينما النازية يمكن ان توجد في أي دولة ويمكن ان تصنع بواسطة أي فنانين يتبنون الصهيونية. لذلك نجدها في الولايات المتحدة، ونجدها تصنع بواسطة فنانين يهود، وفنانين غير يهود، ولذلك فقد راينا أن نتابع حركة السينما الصهيونية تاريخيا منذ انشاء اسرائيل، واعتبار كل حرب من الحروب التي قامت بين اسرائيل وبين الاقطار العربية ببداية مرحلة جديدة في تاريخ هذه السينما.

كذلك راينا استبعاد السينما الاسرائيلية، أو بالأحرى السينما الصهيونية التي يتم انتاجها داخل فلسطين المحتلة (إسرائيل) باعتبارها تمثل وحدة مستقلة في السينما الصهيونية تدرس على حدة، وسوف نقتصر ايضا على الأفلام ذات البعد الصهيوني المباشر والصحيح، إذ لا يدخل في نطاق موضوعنا الأفلام الأجنبية التي تعرضت لمؤثرات صهيونية بصورة غير مباشرة.

بعد حرب 1948 مباشرة، تم في عام 1949 إنتاج فيلمين أمريكيين يعتبران بداية السينما الصهيونية بعد انشاء اسرائيل، وهما الفيلم التسجيلي "الرواد" إخراج باروخ دينار، والفيلم الروائي الطويل "سيف في الصحراء" إخراج جورج شيرمان. وقد عرض فيلم "الرواد" في ستة آلاف ومائتين من دورالعرض في الولايات المتحدة في وقت واحد، ورشح للفوز بجائزة الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون السينمائية المعروفة باسم " الاوسكار" لأحسن فيلم تسجيلي قصير، ثم هاجر مخرجه الى اسرائيل عام 1960 ويتناول الفيلم انتصار القوات الصهيونية على القوات العربية في حرب 1948، مبرزا المستوطنين اليهود في المزارع الجماعية "الكيبوتزات " على انهم الرواد الذين انتصروا!

أما فيلم "سيف في الصحراء " الذي كتبه وأنتجه روبرت بوكنر والمشترك في تمثيله دانا اندروز وليمارايموند، فيتناول "ميلاد اسرائيل " من خلال قصة "قائد سفينة مليئة بالمهاجرين اليهود يمثل دوره دانا اندروز، عليه إما ان يكون جبانا كالعادة، أو يصبح بطلا بوقوفه الى جانب اليهود " ويتجاهل الفيلم العرب تماما، ويوجه اتهاما عنيفا للإنجليز بالتعاون مع العرب ضد اليهود"!

وبينما يعتبر تجاهل عرب فلسطين سمه اساسية من سمات السينما الصهيونية التي تتناول المشكلة الفلسطينية، حيث قالت غولدا مائير يوما أنني لا اعرف شعبا بهذا الاسم " أي باسم الشعب االفلسطيني، فإن اتهام الانجليز بالوقوف مع العرب في حرب 1948، وهو أمر يفتقد الأسانيد التاريخية وبهدف ابراز صورة اليهودي الصهيوني الذي يقف وحده، واثارة العطف عليه في حربه المقدسة من أجل البقاء.

وفي عام 1953 انتج الفيلم الأمريكي "الحاوي " إخراج ادوارد ديمتريك عن رواية مايكل بلانكفورت المسماة بنفس الاسم، والذي اشترك في تمثيله كيرك دوغلاس، وتم تصوير جزء منه في اسرائيل. ويتناول هذا الفيلم قصة حاو يهودي نجا من الموت في معسكرات الإعتقال النازية ولكنه "لا يستطيع أن يعتبر وجوده في اسرائيل عودة إلى الوطن" وتصوير الفيلم في اسرائيل يعني بالضرورة أنه يناقش هذه المشكلة لكي يثبت أن اسرائيل هي وطن كل يهود العالم. وهي من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها الدعوة الصهيونية.

لم تتناول السينما الصهيونية حرب 1956، بل لقد منعت إسرائيل فيلم "الطلائع الزرقاء " الذي انتجته الأمم المتحدة في ذلك العام عن قوات الطوارئ الدولية، رغم أن مخرجه البريطاني ثورولد ديكنسون كان قد اخرج فيلمين إسرائيلين قبل ذلك. وذلك بسبب تناول الفيلم لحرب 1956 معبرا عن وجهة نظر الأمم المتحدة في هذه الحرب.

يقول منير صلاح الأصبحي في دراسته عن الرواية الصهيونية "لا بد من الإشارة إلى انه ليست في هذه الروايات أية محاولة للتركيز بصورة رئيسية على حرب السويس عام 1956 وأن يندر جدا ذكر هذه الحرب، فهذا أمر ذو دلالة كبيرة، إذ ان حرب1965 تختلف عن الحربين اللتين تسلط الروايات اضواءها عليهما في انها لم تحقق "انتصارا باهرا " لإسرائيل، فمن جهة لم تكن اسرائيل وحيدة في هجومها على مصر، بل كانت مصر هي البلد الذي واجه تحالف ثلاث دول، اثنتين منهما كانت من القوى العظمى آنذاك، ومن جهة خرى، كانت نتيجة الحرب انتصارا سياسيا كبيرا لمصر، وكذلك، فإن اسرائيل، رغم احتلالها المؤقت والقصير لسيناء، اخفقت في تحقيق اهدافها العسكرية والسياسية التي شنت الحرب من أجلها، واضطرت الى التراجع والأنسحاب " ونلاحظ أن السينما الصهيونية ولنفس الأسباب، تجاهلت أيضا حرب 1973. ولكن الفترة من عام 1965 الى عام 1967، وهي فترة الإعداد لحرب 1967، شهدت العديد من الأفلام الصهيونية، وأهم هذه الأفلام "الخروج " إخراج أوتو بريمنغر عام 1960، وهو يهودي صهيوني و"جوديت" إخراج دانيال مان عام 1964، وهو يهودي صهيوني أيضا وكل هذه الأفلام أمريكية، ومن نوع الانتاج الكبير.

يروي ويلي فريشاور قصة "الخروج" رواية، ثم فيلما، في كتابه عن حياة "اوتوبريمنغر"، فيقول أن الفكرة خطرت اولا في مخيلة دوري شاري كاتب السيناريو السابق، ورئيس مترو غولد وين ماير الذي كان معروفا لدى الكثيرين باعتباره " يهوديا محترفا "، فاستدعى ليون أوريس وقال له "عليك أن تكتب رواية درامية عن ميلاد إسرائيل " وتعهد بدفع تكاليف البحث، وشراء حقوق الرواية للسينما. وكان أحد الذين تحدث معهم أوريس حول الموضوع انجو بريمنغر شقيق أوتو الذي كان وكيلا في فترة من حياته.

يضيف فريشاور أنه بعد فترة من البحث الشاق، وافق أوريس على الذهاب الى اسرائيل. وقد استغرقت مهمته عامين. وبعد أن اجرى مئات من الأحاديث وسجل أميالا من الشرائط، كتب رواية قوية بعنوان "الخروج" مستلهما ماجاء في العهد القديم (سفر الخروج، 9: 13 )، كي يطرح مقولته: دع شعبي يذهب. اليهود هم الأبطال والأشرار هم البريطانيون الذين فرضوا الانتداب على فلسطين. وقد أوفى دوري شاري بوعده، واشترى الحقوق لمتروغولدين ماير. ولكن شركة مترو ترددت في انتاج الفيلم حتى لايضر بمصالحها في بريطانيا كما جاء في كتاب فريشاور، وكان انجو بريمنغر على علم بما يحدث، فلما اخبر أخوه أوتو بالمشاكل التي تعوق المشروع، قال له أوتو "اشتري الحقوق لي" ثم اتصل أوتو بريمنغر بصديقه القديم ماير ويسغال رئيس معهد وايزمان للعلوم في اسرائيل وسأله المساعدة في انتاج فيلم في اسرائيل، وأرسل اليه مخطوط الرواية.

قرأ ويسغال الروايو ووافق عليها، ووعده بريمنغر بأن يعطي حقوق العرض في اسرائيل لمعهد وايزمان، وكذلك دخل العرض الاول في كل مكان في العالم. وطلب منه أيضا القيام بدورين غوريون في الفيلم. وقد كان ويسغال هو صله الوصل الأساسية بين بريمنغر والحكومة الاسرائيلية. وقد استعان بريمنغر بالجنرال البريطاني فرانسيس رومي الذي اشترك في حرب 1984 بالفعل ليكون مستشاره العسكري. وقدمت الحكومة الاسرائيلية اليه من ناحية اخرى مستشارا بالفعل ليكون مستشاره العسكري. وقدمت الحكومة الإسرائيلية اليه من ناحية أخرى مستشارا رسميا هو الكولونيل غيرشون ريفلين الذي كان يحارب في صفوف " الهاجاناه ". وبدأ تصوير الفيلم يوم 27 آذار/ مارس سنة 1960 وانتهى بعد 14 اسبوعا بعد ان تكلف 2,5 مليون دولار.

ومن خلال تيدي كوليك الذي كان الذراع اليمنى لرئيس الوزراء بن غوريون، كما يقول فريشاور، والذي اصبح بعد ذلك عمدة القدس، كان بن غوريون على اتصال وثيق بتطور تصوير الفيلم في اسرائيل. وبعد التصوير في اسرائيل، تم مونتاج الفيلم في لندن، وتم التحميض والطبع في الولايات المتحدة، وقد وصلت أرباح الفيلم بعد العرض إلى 1 مليون دولار.

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5421&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق