أولا: الكتب المدرسية وتكون الصورة: مقدمة نظرية
للايفاء بغايات هذا البحث, سنحدد مصطلح"صورة" ليعني الانطباعات التي يكونها الفرد عن شخص أخر أو أشخاص آخرين, أو عن أي مجموعة أو مجموعات أخرى. ولمحتوى هذه الانطباعات (أو الصور) أثر عميق في تفاعلات الفرد مع الآخرين. ولذلك تحتل دراسة المصادر المتعددة التي يستقي منها الناس انطباعاتهم عن الآخرين الأهمية العليا عند دراسة السلوك الانساني.
ان احد المصادر التي تساهم في تكوين هذه الانطباعات هي التجربة المدرسية من الحضانة الى المرحلة الثانية عشرة, وغالبا ما يركز عليها العلماء السلوكيون والاجتماعيون, فالمدرسة توازي من حيث اهميتها المؤسسة العائلية في تأثيرها البالغ, ومن الناحية العلمية, يجتاز كل فرد الحياة المدرسية كما يمضي كثيرون قسما كبيرا من نهارهم في غرفة الصف, وتستقبل المدارس, ولاسيما الابتدائية منها, في نهاية المطاف الأولاد في سن مبكرة يسهل معها التأثير عليهم.
وتعد الكتب المدرسية جزءا أساسيا ورئيسيا في الجهاز المدرسي فهي ركيزة التعليم النظري في المراحل كافة,وفي المرحلتين الابتدائية, والثانوية خصوصا,يعتمد معظم الاساتذة (أو المعلمين) بصورة مكثفة على الكتب المدرسية, ان لم نقل أنهم يعتمدون عليها وحدها (سواء أكان ذلك بسبب فقدان التدريب, أم الرغبة, أم لضيق الوقت) كوسائل رئيسية لعملهم التعليمي, ومصدر اساسي للمعرفة, أن استاذ المرحلة الابتدائية النوذجي مدعو للاشراف على سلسلة من المواضيع تتنوع بين ادب الاطفال ومطالعتهم, وبين الرياضيات والعلوم, ولأن قليلين يستطيعون ان يصبحون خبراء في مثل هذا العدد الكبير من الحقول, يعتمد استاذ المرحلة الابتدائية النموذجي بكثرة على الكتب المدرسية ودلائل المعلم, ومن المحتمل ان تكون المشكلة مكبرة في المدرسة الثانوية: "من المستحيل على استاذ المرحلة الثانوية ان يعد المواد الملائمة لكل طالب او حتى لكل صف,لأنه يعمل مع أكثر من150 طلبا في اليوم وعليه ان يعتمد على الكتاب المدرسي.
اذن, فالكتب المدرسية, وخصوصا تلك التي تتناول العلوم الإنسانية والاجتماعية , هي مصدر رئيسي يكتسب الطالب منه موافقة ومعتقداته ومشاعره حيال عالمه الخاص وحيال الآخرين الذين يأتون من خلفيات مغايرة, وهي تعطي الاولاد والمراهقين المعلومات الضرورية للتعرف على التاريخ الإنساني وثقافات العالم الذي يعيشون فيه,كما أنها جزء اساسي لا غنى عنه من العملية التعليمية.
وتشير الدراسات في حقل علم النفس الاجتماعي المرتبطة بعملية التنشئة الاجتماعية,الى ان المعرفة المكتسبة في المرحلتين الابتدائية والثانوية تفضي الى ترك اثر دائم, ويمكن تقصي جذور المواقف التي يتخذها البالغون فيما يتعلق بمجموعات معينة جزئيا في هذا التوجيه.
وبسبب ما ورد ذكره, تمارس معظم الحكومات, ان لم تكن كلها, قدرا كبيرا من الرقابة على التعليم, وخصوصا في المرحلتين الابتدائية والثانوية, ويعتبر ترك هذه المهمة للمبادرة الفردية الخاصة ذا اهمية بالغة, وتعتمد نوعية الحياة وكذلك معدل ومدى التنمية الاجتماعية والاقتصادية في جانب منها على ما يعلم في المدارس, وتستخدم الحكومات الكتب المدرسية والمدرسين لنقل
المعرفة ببلادها والأمم الاجنبية إلى الطالب ايضا, وبالتالي يمكن استخدامها كوسائل لنقل وتكوين صور عن الدول الاجنبية. ويتم ذلك بواسطة عمليتين: الاغفال والتوكيد, والعملية الأولى تقوم على تجنب الموضوعات والمعلومات التي يمكن ان تلقي ضوءا اكثر ايجابية على الأمة أو الأمم قيد الدرس, اما التأكيد فهوعملية يتم من خلالها ادراج العبارات الشاذة والناقصة وغير الدقيقة في النص بهدف خلق صورة مشوهة وسلبية عن الشعب أو الشعوب التي يستهدفها النص.
وفي هذا السياق, من المناسب ان ننقل ما قاله لوثرايفانز:
"من الممكن ان يشكل المدرسون والكتب المدرسية بذار حصاد لاحق من التفاهم والصداقة على الصعيد الدولي عن طريق تقديم الحقائق في اطار ملائم صحيحة كما ونوعا, لكنهم يمكن ان يكونوا ايضا بذار لحصاد من سوء التفاهم والكراهية ومشاعر الاحتقار والازدراء بين الاضداد وتجاه اساليب الحياة الأخرى نتيجة لتقديم بيانات غير مصنفة, وغير متزنة, وغير دقيقة, على انها حقائق" ولا تظهر حدة وخطورة مشكلة التحامل والتشويه والاغفال هذه في أي مكان اخر اكثر منها في الادبيات المتوافرة عن الصراع العربي- الاسرائيلي والصراع الفلسطيني-الاسرائيلي, ويدرك العديد من المثقفين امثال القزاز وغريسوورلد وكيني وعلمي وبيري وجرار وسليمان وابو حلو ابعاد هذه المشكلة بوضوح. وتظهر دراساتهم الملخصة في مكان اخر بدقة. ان هناك حاجة للكثير من اعادة النظر بهدف تصحيح هذا الوضع.
والمنهج الذي استخدم في هذه الدراسة هو تحليل المضمون, وهي طريقة طورت في العشرينات والثلاثينيات لدراسة وسائل الاتصال, ووسعت لتشمل مواضيع اخرى كالوثائق الشخصية, والمقابلات غير المنظمة, والاختبارات الموضوعية, وسجلات المرضى, والتفاعل العلاجي والكتب المدرسية اما وحدة التحليل في هذه الدراسة فستكون الفصول أو الصفحات من كتب التاريخ الامريكي والعالمي المدرسية للثانويات التي تناقش الصراع العربي الاسرائيلي مع تركيز خاص على الصور والخرائط والصفات المستخدمة لتشخيص الصراع والاعلام المشوه والكاذب وغير الدقيق واغفال المعلومات التي تعطي صورة ايجابية للجانب العربي.
وقد اخترت الكتب المحللة استنادا إلى معيارين: سنة النشر ووتيرة استخدامها في اجزاء مختلفة من الولايات المتحدة. وقد نشرت جميع الكتب المحللة في هذه الورقة عام 1980 أو بعده, اما جميع الدراسات السابقة عن صورة الصراع في الكتب المدرسية, فقد تعاملت مع كتب نشر قبل عام 1980. واما وتيرة استخدام الكتب المدرسية في اجزاء مختلفة من الولايات المتحدة فقد تحددت على اساس لوائح الكتب المدرسية المجمعة من مدرسي المدارس الثانوية الذين حضروا الحلقات الدراسية التي اعدها المؤلف في كاليفورنيا ويوتا وواشنطن دس.سي في 1980و1981و1984. وفي هذه الحلقات طلب إلى المدرسين ادراج الكتاب المدرسي أو الكتب المدرسية التي استخدموها ,أو أوصوا باستخدامها من قبل منطقتهم او ولايتهم لمناهج التاريخ الامريكي والعالمي او ما يعادلها. والكتب المدرسية التي درست ورسبت في هذه الورقة هي تلك التي ذكرت في جميع اللوائح التي قدمها المدرسون. ويمكن اعتبار ان هذه الكتب المدرسية تستخدم في اجزاء اخرى من الولايات المتحدة لأنها نشرت جميعها من قبل شركات خاصة من أهدافها توزيع الكتب في انحاء البلاد كافة. وقد تأكد المؤلف من استخدامها العالم عن طريق مكالمات هاتفية مع عدد من المدرسين الثانويين في غرب ووسط غرب وشرق الولايات المتحدة.
وستعرض نتائج هذه الدراسة تحت احد عشر عنوانا رئيسيا: السرد المتعاطف مع اليهود, استخدام مصطلح "عرب" بدلا من "فلسطينيين", مشروع التقسيم, حرب عام 1948, اسباب مغادرة الفلسطينيين فلسطين, حرب عام 1956, حرب عام 1967, حرب عام 1973, كمب دايفيد, منظمة التحرير الفلسطينية, ديمقراطية اسرائيل ومعاملة الفلسطينيين.
ثانيا: الكتب المدرسية والصراع العربي الاسرائيلي
1- السرد المتعاطف مع الاسرائيلي
في الكتب المدرسية قيد المعالجة, نجد جميع الروايات المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي متعاطفة مع اسرائيل سواء علنا ام بطريقة مبطنة, حتى انه لا يمكن اعتبار أي من هذه الروايات موالية للعرب ولو بصورة معتدلة, والسرد النموذجي شابه ما يلي: كان اليهود يعيشون في فلسطين لسنوات عدة, ويحلمون على الرغم من التشتت بالعودة يوما ما الى ارض الميعاد التي يسمونها
النص الكامل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق