الثلاثاء، 26 يناير 2010

صورة العربي في ألاجهزة السمعية البصرية في فرنسا

يصعب على المراقب أن يعطي فكرة وافية ودقيقة عن حالة ألاجهزة السمعية البصرية بفرنسا في الوقت الراهن، فاذا كان هناك ميدان لايعرف الثبات أو الجمود فانة ميدان هذة الثقافة عينها. لم تعرف فرنسا في تاريخ التلفزة، منذ البديات ألاولى الى نهاية الثمانينات، مثيلا لهذا التحول الهائل الذي طرأ على الثقافة السمعية البصرية منذ أربع أو خمس سنوات. تغيير جذري يجرف قيما كان يظنها المراقبون شبة أبدية، ويثبت قيما أخرى جديدة تستجيب لعصر السرعة والصورة الخاصة التي يمنحها التلفزيون عن عصر السرعة.

لقد ولى الوقت الذي كان يعتبر فية التلفزيون والاذاعة والسينما أجهزة ثقافية الى جانب الكتاب واللوحة والمسرح، أجهزة أكثر شعبية بدون شك، وجاء زمن الفيديو والكليب والاشهار الدائم، التيلفزيون الان قوة مالية وأقتصادية وسياسية ودعائية يحسب لها حساب. لها دور أساسي في انجاح او افشال عمل سينمائي أومسرحي أوكتاب، كما لها دور رئيسي قي التغيرات السياسية والانتخابات. لذا، من اللامعقول بل من المستحيل أن يتجاهل أي فنان أورجل سياسي يريد الحفاظ على سمعتة هذا الاطار: التلفزيون المرور عبر الشاشة الصغيرة شرلا بد منة للخروج من دائرة النسيان والظل. لكن للتلفزة أمراضها المعدية ونادرا ما يخرج الفنان أو الكاتب أورجل السياسة من هذة التجربة سالما. ألامران خطيران اذن، سواء تم تجاهل التلفزيون أو لم يرفض لان الرابح الوحيد في نهاية المطاف هو الصورة التي يعطيها هذا الجهاز عن نفسة.

ليس هذا بجديد، فهذة هي طبيعة التلفزيون في الدول الديمقراطية، او التي توصف كذلك، لكن الجديد هو الاسلوب الحالي: عصرنة الهيمنة وتقويتها، تكاثر أشكال التعامل مع الواقع الذي يغيب بقدر ما يضاعف من ساعات البث والارسال، غموض المرجع المعيشي للمواطن مع تعددية القنوات (القطاع العام، والدولة، القطاع الخاص، اضافة الى قنوات عالمية أخرى) .

الجديد في الأمر هو ظاهرة الغموض واختلاط كل الاوراق وكل ألالوان دون تقييم أو تحليل أو حتى عرض موضوعي يعطي لكل ذي حق حقة. موضوع شائك ومعقد ودائم الحركة والتحول. موضوع يدعو بصراحة الى الكآبة. لانة رمز لانهيار القيم على مذبح الربح السريع والسباق المهووس لجلب أكبر عدد ممكن من المتفرجين.

كل شيء قابل للبيع: كل الاذاعات والتلفزيونات تسرع لنقل حرب بيروت والكوارث الطبيعية وموتى فلسطين، مادامت هذة موضوعات مضمونة تجاريا. هكذا فالأساسي حاليا ليس الاخبار الموضوعي عن أحداث هذة البلدان، بل الاكتفاء باعطاء صورة سريعة عنها قبل الانتقال الى ميدان الرياضة أو التسلية أوالمنوعات، كل ذلك بطريقة واحدة، لاتتغير، لامبالية، بيضاء النبرة. وهذة طبيعة التلفزيون المرضية.

ما هو موقع العربي ( أو الاجنبي بشكل عام ) في هذة الصورة؟

ليس من العسير أن نفهم أنما، أي صورتة، لاتخرج عن الخسوف الذي يميز اسلوب التلفزة في السنوات الاخيرة. يساء الية–اراديا ولا اراديا، في الوقت الذي يوهمونة أنة مثل الجميع، لة الحق في الكلام والتعبيرعن آرائة دون قيد. المشكلة تكمن هنا، مثل الجميع، لة الحق في الكلام والتعبير عن آرائة دون قيد. اي بشكل غاية في السرعة، غاية في السطحية، لأن الوقت في هذا الجهاز الجهنمي، من ذهب، فاذا لم تستطع أن تقول شيئا خلال الدقيقتين المخصصتين لك، فهذا شأنك، أما نحن فسننتقل الى المنوعات، انتهى.

هذا اذا افترضنا، مجرد افتراض، ان التلفزة تتعامل مع الجميع بشكل ديمقراطي، أي دون نزعة شوفينية شهيرة لدى الفرنسيين منذ عقود سحيقة. أما اذا بحثنا في هذا الاتجاة فسنجد انفسنا أمام ظاهرة الغاء الآخر وسحق هويتة. سوف نحاول الان أن نتعرض للصورة الواقعية أو المتخيلة التي يحتلها العربي في التلفزيون الفرنسي بشكل خاص وفي ألاجهزة السمعية البصرية، بشكل عام، مركزين على الديناميكية الداخلية لهذ الاخيرة، اذ بدون ذلك لايمكننا الوصول الى غايتنا.

ظاهرة الغموض:

أحيانا، يكفي القاء نظرة خاطفة على برامج التلفزيون، ليصاب المتتبع أو المتفرج العادي بحيرة أمام هذا الخليط المتناقض الذي يقترح علية من افلام جادة الى منوعات سخيفة والعاب لا قيمة لها. في السابق كانت أفلام جان لوك غودار وفيريري ورومر محرمة ليس فقط في التلفزيون بل وفي قاعات العرض السينمائية التجارية أيضا. كانت تكتفي بالمرور لبعض الوقت في قاعات خاصة ( قاعات الفن والبحث) وها هي آلان تجاور ألافلام ألاكثر تجارية في ساعات البث ألاساسية. ماذا حدث؟ بالنسبة لمديري البرامج. الجواب سهل: لكنة جواب مراوغ وديما غوجي اذا عرفنا أنة الى جانب هذا النوع من ألافلام، تزدهرالتفاهات من كل نوع.

المسألة أكثر تعقيدا من هذا أو ذلك، لأنة في اطار التحولات الكبرى التي يعرفها هذا القطاع، يقدم المبرمجون كل الاتجاهات دفعة واحدة من جهة لابعاد التهم الموجهة اليهم ( بأنهم لا يهتمون الا بالربح السريع) ومن جهة أخرى لربح سمعة ثقافية لابأس بها، لنأخذ مثلا قريبا من موضوعنا: أتناء زيارة المغنية اللبنانية فيروز لباريس لاحياء سهرة استثنائية في العاصمة الفرنسية. خصصت الصحف والاذاعات ومعظم التلفزات البعض من أخبارها لنقل الخبر. فبالاضافة الى الاستقبال الرسمي الذي أقيم على شرف المغنية (اصدار كتيب صغير عن فن فيروز شارك فية محممود درويش، أدونيس، أندرية شديد، جورج شحادة وأخرون بدعوة من وزير الثقافة جاك لانغ ). أرسلت القناة الثانية ملفا خاصا عن فيروز اعده الصحفي فريدريك ميتران، حفيد رئيس الجمهورية، لا شك أنها مبادرة طيبة من طرف رجل معروف بمساندتة للعرب والسود وألافارقة (لقد خصص العديد من

حلقاتة لبعض السينمائيين والفنانين والمغنيين والممثلين العرب).

الا أنها تغرق في حالة من الغموض حين نعلم أن بث البرامج قد اقيم ( ويقام دائما ) بين منوعات غنائية رديئة وغبية وبين مسلسل امريكي بكل ايديولوجية التمركز على الذات وإذن الغاء الاخر، كيف يمكن للمتفرج العادي أن يجد نفسة؟ كيف يمكنة الاختيار أمام هذة الموجات المتناقضة التي تهاجم جسدة؟ خاصة وان كل هذة البرامج تقدم الية يشكل شبة حيادي، أي ذات قيمة متساوية؟ كيف يمكنني كعربي أن أنتقل من صورة ايجابية لي الى نقيضها؟ هذا مثال واضح على غموض خطاب التلفزيون ورغبتة في الحياد. لان الاساس ليس هو مضمون ما يقدم للمتفرج بل شكل تقسيمة الى لقطات متتابعة مستقلة بذاتها ومتساوية الدلالات (من فيروز الى مسلسل أمريكي مرورا باعلانات الاشهار).

هكذا، فاختلاط القيم في المجتمع يجد طريقة الى الأجهزة السمعية البصرية. في نفس الوقت نسمع ونرى غضب اليمين المتطرف ضد العرب والأجانب الى جانب ادانة اليمين "العادي" للجرائم العنصرية في الوقت الذي يقترب فية من هؤلاء الآخرين لأسباب انتخابية.

التلفزة هي المكان الوحيد الذي يستطيع جمع كل هذة الصور المتناقضة عن موضوع ما، العرب هنا يهضمنا ويوزعها بشكل آلي، حسب ديناميكية السرعة. لان الهدف الأساسي هو محو أي أثر دائم. فالتلفزيون، كما يقول ذلك السينمائي السويسري جان لورك غوادر بشكل ممتاز"لايخلق ذاكرة بل على العكس، يخلق النسيان"!

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5441&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق