الثلاثاء، 26 يناير 2010

إعلام: التطويق الصهيوني للرأي العام الأمريكي

منذ عام 1967 ، وهناك اهتمام متزايد من قبل الباحثين العرب المهتمين بشؤون القضية الفلسطينية بدور الدعاية الصهيونية في العالم, وبالذات في الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الأول لإسرائيل في العالم, وكذا بدراسة الدعاية العربية, ودور الرأي العام الدولي, ودون المبالغة في تقدير أهمية دور الدعاية أو الإعلام الخارجي بالنسبة لتحديد مسار ونتيجة أي صراع دولي بين طرفين أو أكثر, فإن من المسلم به, أن لهما دوراً هاماً من حيث إعداد الرأي العام الخارجي, لتقبل السلوك السياسي لأحد أطراف.

فالحركة الصهيونية تعتبر من أوضح الأمثلة الناجحه للقوى الضاغطة وقدرتها على كسب التأييد الرسمي للقضية التي تدافع عنها, والعطف الشعبي على مطالبها, وإن أمثلة قليلة من تاريخ الحركة الصهيونية في أمريكا, لتوضح ذلك جيدا. ففي نهاية الثلاثينات, نجحت الحركة الصهيونية, في إقناع الرأي العام الأمريكي, بضرورة استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين ولذلك، فعندما أصدرت إنجلترا الكتاب الأبيض الذي حد من الهجرة ونظمها، استطاعت الحركة الصهيوينة تحريك الرأي العام لصالحها، ولممارسة ضغط على الحكومة، للتدخل لدى الحكومة الإنجليزية لتغيير موقفها.

والدراسة التي أرجو أن يكون هذا البحث مقدمة لها, ليست سرداً لوقائع التحرك الصهيوني وأحداثه, وليست حصراً لمظاهره, ولكن هدفها تحليل الدعاية الصهيونية, مادتها البشرية والاجتماعية, ومنهجها في العمل, ومضمونها وفحواها, وطبيعة الأسلحة والأساليب التي تمارسها في تحركها.

إن كاتب هذه الدراسة, يفترض أن النفوذ الذي تتمتع به إسرائيل, والحركة الصهيونية في أمريكا, ليس نتيجة لمعجزة سماوية, أو عمل " فهلوي", بل هو خلاصة ثلاثة عوامل محددة: أولها, تحليل علمي لواقع المجتمع الأمريكي, ونقاط قوته وضعفه, ومعرفة دقيقة للقوى المؤيدة, والمعارضة, والمحايدة, ثم رسم سياسة إعلامية ودعائية, على أساسها للتأثير على هذا المجتمع.

وثانيهما تنظيم دقيق, قوامه الجالية اليهودية, يتغلغل في سائر مجالات المجتمع. وثالثهما المال الذي يمكن هذا التنظيم من الحركة والنشاط. وتبقى بعد ذلك المصالح والمزايا الاستراتيجية العسكرية التي توفرها دولة إسرائيل للولايات المتحدة. ولكن هذا يخرج عن نطاق هذه الدراسة.

أولاً: مادة الدعاية

المادة البشرية للدعاية الصهيونية في أمريكا, هي الأقلية اليهودية المنظمة, والثرية , والملتزمة سياسياً بالدفاع عن إسرائيل والصهيونية. وهذا الوضع يتيح للدعاية الصهيونية ميزة واضحة, فقضية إسرائيل لا يدافع عنها بوساطة أجانب (إسرائيليين), بل أساساً عن طريق مواطنين أمريكيين يهود, يتمتعون بكافة حقوق المواطن الأمريكي, ويعرفون لغته وثقافته, ويعرضون له القضية في إطار قيمه ومفاهيمه وسلوكه, باعتبارها قضية تمس أحد قطاعات المجتمع الأمريكي (أي الأقلية اليهودية). اليهودية الأمريكية، من أجل الصهيونية الدينية, حركة العمل الصهيوني, عصبة الصهيونيين التقدميين, حزب العمل الصهيوني المتحد, جمعية الإصلاح الصهيوني المتحد في أمريكا, والمنظمة الصهيونية) ومثل المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجالية ومثل مجلس الرؤساء. وهذه هيئة استشارية غير دائمة, تضم رؤساء الجمعيات والمنظمات اليهودية الكبرى, وتجتمع من وقت لآخر لمناقشة المشاكل الكبرى التي تواجه الجالية اليهودية وإسرائيل, وأخيراً مثل الوكالة اليهودية التي تقوم في الحقيقة بالدور الأساسي في عملية التنسيق والتمويل.

وكما كشف التحقيق الذي قامت به لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكي برئاسة السناتور وليم فولبرايت عام 1962 عن نشاط كل الهيئات غير الدبلوماسية الممثلة لحكومات أجنبية ومن بينها النشاط الصهيوني، فإن الوكالة اليهودية هي أكبر مستلم للأموال المعفاة من الضرائب التي تجمع في أمريكا بوساطة النداء اليهودي المتحد
United Jewish Appeal وأنها مسجلة في وزارة العدل الأمريكية, باعتبارها مؤسسة أجنبية خاضعة لقانون تسجيل الهيئات الأجنبية الصادر في عام 1938.

لقد كشف التحقيق أنه في السنوات السبع 1955-1962 فإن 5.100.000 دولار قد استخدمت للتأثير على صانعي السياسة الأمريكية وعلى الصحف والإذاعة والتلفزيون, وعلى معاهد دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية, وعلى تأسيس واجهات مسيحية مزيفة, مثل "الجمعية الأمريكية المسيحية لتأييد إسرائيل" كما قامت الوكالة، من خلال مؤسسة الثقافة العبرية، بتقديم مساعدات مالية إلى عديد من الجامعات الأمريكية، وكشف التحقيق أن وكالة التلغراف اليهودية Jewish Telegraphy Agency وهي وكالة الأنباء التي تعتمد عليها العشرات من الصحف والمجلات اليهودية في أمريكا، تملكها الوكالة اليهودية وأن مجلة تقرير الشرق الأدنى التي يصدرها كينين Kenen تتلقى تمويلها من نفس المصدر وأنها تسلمت في عام 1960-1961 مبلغ 28 ألف دولارا كما أن مجلس شؤون الشرق الأوسط والمجلة التي يصدرها باسم شؤون الشرق الأوسط، ويحررها الأستاذ اليهودي بنجامين سفارداين، تسلم أيضاً مبلغ 69.450 دولاراً في الفترة 1958-1962.

ومن أهم ما تضمنه التحقيق أيضاً, العلاقة بين الوكالة اليهودية والمجلس الصهيوني الأمريكي, الذي أنشئ في عام 1929 كمنظمة معافاة من الضرائب, وكذلك الوثيقة الرسمية التي تقدم بها المجلس, كملخص لنشاطه, وفيها يكشف المجلس أنه يقوم بمتابعة دقيقة لكافة أجهزة الإعلام, ويتولى الرد على كل ما يتفق مع وجهة النظر الصهيونية, كما يقوم بتحديد أسماء أعداء الحركة الصهيونية. ويتابع أنشطتهم ويتضمن المجلس قسماً للمحاضرات نظم في سنة واحدة 2240 محاضرة, وقسماً للأبحاث, من مهمته توجيه الفروع المحلية للحركة الصهيونية لكيفية الرد على أية كتب أو مقالات تعارض الصهيونية.

وهناك أيضاً لجنة خاصة للإذاعة والتلفزيون, مهمتها عرض وجهة النظر الصهيونية في أكبر عدد من البرامج والتعليقات السياسية. كما يقوم المجلس بتمويل رحلات إلى إسرائيل, وإغراء وجذب العناصر التي ليس لها التزام صهيوني, أو فهم واضح للمشكلة. إن أهمية هذا التقرير, والمعلومات الواردة به, تنبع من أنه وثيقة رسمية للحكومة الأمريكية, لا يمكن وصفها بالتحيز لوجهة النظر العربية وأن المعلومات التي أوردتها, تعتمد على الذكريات، الشفهية والكتابية، التي تقدم بها ممثلو الحركة الصهيونية إلى لجنة التحقيق, ورغم أن هذا التقرير قد كتب منذ عشرة سنوات, إلا أنه يميط اللثام عن أساليب الدعاية الصهيونية. ويمكن القول أن الحركة الصهيونية ما زالت تستخدم – أساساً – نفس الأساليب تحت أسماء جديدة, وفي ظل منظمات جديدة. ففي عام 1969 مثلاً, سافر تشارلز جوديل السناتور عن ولاية نيويورك في ذلك الوقت, إلى إسرائيل في رحلة "تقصى حقائق", على نفقة الهسدروت وفي عام 1970 وحدة, سافر ما يقرب من 1200 صحفي أمريكي لزيارة إسرائيل, وبعض هؤلاء من مراسلي الصحف الكبرى ومن ذلك, على وجه التحديد, أن الحكوة الصهيونية مولت، جزئياً، رحلة مستر رفنج شبيجل مراسل صحيفة النيويوك تايمز إلى إسرائيل. وفي نفس العام, مورس ضغط صهيوني عنيف على معهد أبحاث بمدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا, الذي كان قد أعد مشروعاً لدراسة تأثير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل على المصلحة القومية الأمريكية, وأرسل ما يقرب من 14 ألف استمارة إبداء رأي إلى مجموعة منتقاة من القادة السياسيين, وغيرهم من الشخصيات الاجتماعية والسياسية البارزة. وكانت نتيجة الضغط, إلغاء المشروع.

ثانياً: منهج الدعاية الاستراتيجية والتكتيك

وهنا تثري نقطة هامة بخصوص منهج الدعاية الصهيونية, فهي لا تنطلق عشوائياً, أو كرد فعل لمبادرة خارجية. إن نقطة الانطلاق على العكس من ذلك, تبدأ من تحليل علمي لطبيعة المجتمع الأمريكي, وللقوى الاجتماعية المتعددة, وللفئة الحاكمة فيه, وتحرص دائماً على الربط بين وسائل الدعاية وأساليبها ومضمونها من ناحية, وبين طبيعة التركيب الاجتماعي للفئة التي تتجه إليها هذه الدعاية من ناحية أخرى, مما يجعلها تتصف بصفة المرونة. فالدعاية ليست هدفاً في حد ذاته, بل هي وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد. لذلك فإن الدعاية الصهيونية والإسرائيلية تتخذ من الأساليب والمضمون, ما يخدم غرضاً سياسياً محدداً, تجاه فئة معينة, وفي مرحلة تاريخية معينة.

ومن وجهة نظر دراسة الرأي العام والقوى الضاغطة, فإن هناك ثلاثة قطاعات بشرية في كل مجتمع. الأولى, هي الأغلبية الساحقة, والتي عادة ما تكون منشغلة بأمور حياتها اليومية, من طلب السعي وراء الرزق, إلى غير دلك, ولا تبدى كبير اهتمام بالأمور العامة, وبالذات الأمور الخارجية والدولية. والثانية, هي الأقلية المتنورة التي هي على علم ودراية بأمور العالم الخارجي, والتي تقوم بشكل أو بآخر, بخلق مناخ الرأي العام في المجتمع. والثالثة, هي الأقلية الضئيلة, التي تقبع على قمة المجتمع, والتي تقوم باتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بشئونه, وتوجه الرأي العام بطريقة مباشرة وأساسية.

ويتحدد هدف الدعاية الصهيونية على الشكل التالي، أولاً، إسكات كل صوت مضاد بين المجموعة الثانية. وثانياً، التغلغل بطريقة مباشرة في صفوف المجموعة الثالثة. وثالثاً، تحديد الإطار الفكري ومناخ الرأي العام الذي تتنفس فيه المجموعة الأولى.

1- الاستراتيجية:

يمكن القول إذن بأن استراتيجية الدعاية الصهيونية, تقوم على دعامتين فئوية الدعاية من ناحية, والإلحاح على قضايا أساسية معينة, بقصد ترسيخها في الذهن الأمريكي العام من ناحية أخرى. هي دعاية فئوية متعددة الأبعاد, بمعنى أنها تخاطب كل فئة بطريقة معينة, وتثير معها القضايا المشتركة فيها فيما بينهما بحيث تكسب تأييدها, فهي تخاطب اليهود الأرثوذكس بلغة, وتدعو الليبراليين بلغة ثانية, وتحاول أن تجتذب الماركسيين واليساريين بلغة ثالثة, وتخاطب الإفريقيين والآسيويين بلغة رابعة. هي توجه لغة للتخاطب والحوار مع كل الفئات وتستخدم مع كل منها كل الحجج والآراء التي تؤثر فيها, وتنتهج كل الأساليب, لنقل وجهة نظرها. فمع المتدينين يصبح الإنجيل هو المرجع الأساسي, وتصبح "النبوءة الدينية" هي الأساس التاريخي للصهيونية ولإسرائيل, وتحاول إدارة حوار مسيحي – يهودي. ومع الليبراليين, تؤكد على أن إسرائيل هي "واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط", وتشير إلى استقرار الحكم النيابي والانتخابي في البلاد. ومع اليساريين, تبرز الطابع "اليساري" لإسرائيل، حيث أن الحزب الحاكم فيها منذ 1948 هو حزب العمل, وأن الكيبوتز هو تجربة اشتراكية رائدة مجالات الزراعة الجماعية, والحياة الكوميونية.

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5424&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق