الثلاثاء، 26 يناير 2010

الخبز

ستنتناول في هذه الحلقة مرحلة طحن الحبوب: التي هي المرحلة الثانية في عملية اعداد الخبز، حيث يصبح القمح بعد ذلك- اي بعد طحنه- جاهزا للعجن الذي سوف يتحدث عنه في الحلقة القادمة.

ان عملية الطحن- كما هو معروف- قديمة جدا، حيث استخدم الانسان ما تيسر له من وسائل و ادوات للقيام بهذه العملية، و من الوسائل التي استعملها قوة الإنسان، والحيوان و الماء و الهواء، اما الادوات فقد تركزت على الادوات الحجرية، ولكنها كانت باحجام و اشكال مختلفة لتتناسب مع مدى التقدم التكنولوجي في صناعتها، كما و تتناسب مع الوسيلة "القوة" التي تعمل على تحريكها، فمنذ ايام الكنعانيين استخدمت حجارة الرحى. وفي العصور الرومانية استعملت قوة الماء قي ادارة الطواحين الى جانب قوة البهائم كالحمير والبغال، والثيران.

اما في العصور الاسلامية فقد وجد في معظم القرى الاردنية والفلسطينية معصرة زيتون و طاحونة للدقيق واستخدم الفلاحون الطواحين(الارحية) في طحن حبوبهم، فينقل الفلاح حبوبه على دابته الى الطاحونة- والمدة التي يقضيها في الطاحونة منتظرا دوره، كانت فرصة له يلتقي باصدقائه القريبين و البعيدين، اما القوة الرئيسية المحركة فكانت البهائم.

اما الحجارة المستخدمة في المعاصر فكانت تؤخذ من اماكن معروفة في الاردن وفلسطين مثل المكان الموجود بالقرب من قرية ادر الاردنية والذي يسمى مقطع حجارة الطواحين وقد اتخذ البعض من طحن الحبوب مهنة لهم كما يذكر ذلك د. يوسف غوانمة. وخلال القرنين الماضيين و حتى مطلع هذا القرن، كان الماء هو القوة الرئيسية المحركة للطواحين في شمال فلسطين وذلك بسبب جريان الماء في معظم ايام السنة بالاضافة الى قوة انحدار الماء و ذلك لطبيعة البلاد الجبلية بينما نجد ان الحيوان والانسان هي القوة الرئيسية للطواحين في اواسط البلاد وجنوبها.

فاذا تجولنا في الشمال نجد ان آثار وبقايا طواحين الماء لا تزال شاهدا على كثرة استعمالها في تلك المناطق فنراها بالقرب من معليا والبقيعة، وبالقرب من عكا حيث نجد هناك ضاحية اسمها الطواحين وضاحية بالقرب من حيفا اسمها مطحنة كردانة، وفي وادي الشعير في شمال البلاد نجد اسماء لاثنا عشرة طاحونة.

كما نرى ان استعمال الماء كقوة محركة للطواحين يمتد الى مناطق نابلس مثل الباذان والعوجا كما نشاهد بقايا طواحين الماء على الطريق بين نابلس وطولكرم. وقد تناول الاستاذ شكري عراف تكنولوجيا هذا النوع من الطواحين بالتفصيل وبين ان الطوربينة في بلادنا كانت افقية الوضع وهي تختلف عن دواليب اوروبا العامودية والتي خسرت كثيرا من قدرتها عند تحريكها للطاحونة. واذا اتجهنا الى الجنوب فان الاعتماد على قوة الماء ياخذ بالتناقص حتى ينعدم في جنوبي البلاد بينما يزداد الاعتماد على قوة الحيوان في عملية الطحن، فاذا تجولنا في الجنوب فاننا من النادر ان نرى آثار وبقايا مطاحن الماء.

ويذكر الاستاذ عارف العارف ان سكان غزة طحنوا قمحهم حتى عام 1893 بمطاحن اديرت باليد، وكان في كل دار طاحونة كهذه، ثم انشئت طاحونة تدار بالخيل وتلتها اخرى اديرت بالفحم الحجري، وفي ايام الانتداب فقط عملت المطاحن بالبترول.

ونظرا لطول الوقت الذي سينتظره الشخص حتى ياتي دوره في الطحن، كذلك لطول المسافة التي يقطعها حتى يصل الى الطاحونة، ثم الحالات الاضطرارية في الحاجة الى طحين، كل هذه الامور دعت ان يكون في كل دار طاحونة تدار باليد كما سبق ان ذكرنا اذ كان من النادر ان يخلو بيت من طاحونة يدوية يدوية كبيرة للطحن الناعم، او صغيرة مجرشة للطحن الخشن (الجرش) واذا كان استعمال الطاحونة اليدوية لطحن الحبوب قد انعدم الا اننا لا زلنا نستعمل (المجرشة) حتى اليوم في جرش الفريكة، العدس، والكرسنة، والجلبانة، والذرة، والقمح للسميد.

وسوف نتناول بالحديث الطاحونة، والتي تمثل الزاوية الاساسية في التكنولوجيا الشعبية في مجال طحن الحبوب.

صنع الطاحونة: تصنع هذه الطواحين من حجر البازلت الذي يتصف بالصلابة و ثقل الوزن كما انه لا يخرج (الشرار) عند نحته(دقة). ويميل لون هذه الحجارة الى السواد وتؤخذ قليلا من منطقة الاغوار وطبريا وسيناء والجولان وحوران. حيث تستخرج من محاجر معينة، ويقوم اشخاص متخصصون بصنعها(دقها) وزخرفتها احيانا ببعض الرسوم والصور كالهلال والصليب وغيرها، ثم عرضها للبيع بعد ذلك.

وتتكون هذه الطاحونة من قطعتين من الحجر دائريتين منبسطتين تسمى السفلى منها بالفردة التحتا، والعليا بالفردة الفوقا، وينقش هذان الحجران نقشا ناعما الى حد ما(مسمسم) بحيث يبقى ملمس الوجه العلوي للفردة السفلى، والوجه السفلي للفردة العليا خشنا نوعا ما لان هذه النتؤات في وجهي الطاحونة هما المعول عليهما في عملية الطحن، وعند صناعة الطاحونة تعد الفردة السفلى بنقشها وجعلها دائرية، وتبقى في وسطها منطقة دائرية اعلى من السطح بقليل يبلغ قطرها حوالي 8 سم، حيث تعمل فتحة في وسط هذه المنطقة ويثبت فيها قضيب من الحديد يسمى(القلب)، اما الفردة العليا فانها تنقش وتعمل دائرية كذلك، وتحفر في وسطها منطقة تسمى(الحلق) يثبت في هذا الحلق بشكل افقي ومع مستوى سطح الفردة السفلى قطعة من الخشب مثقوبة من وسطها تسمى(الفراشة)، كما يحفر من على بعد 5 سم من محيط الفردة العليا حفرة بعمق 3 سم بشكل مائل يوضع فيها قطعة دائرية من الخشب تسمى(اىيد) وهي القطعة التي تمسك بها المراة عند تشغيل هذه الطاحونة. هذا ويتم وضع الفردة العليا على السفلى بحيث يدخل القلب في الفتحة الموجودة في وسط الفلراشة، ومقاييس الطاحونة تكون حول الارقام التالية:

قطر كل من الفردتين التحتا والفوقا 44 سم.

سمك الحجر 4 سم لكل فردة.

طول القلب 10 سم.

طول الفراشة الخشبية 8 سم وهو نفسه قطر الفتحة في الفردة العليا. طول الايد الخشبية 22 سم فوق سطح الحجر بحيث تسمح بان تمسك باليد امراتان عند الضرورة وعرض الفراشة 4 سم 3 سم داخل الحجر اما بعد اليد الخشبية عن حافة الفردة العليا نحو 5 سم.

اما المجرشة فمقاييسها هي حول الارقام التالية:

قطر الفردة 35 سم، طول اليد 19 سم، سمك الفردة 4 سم، طول الفراشة 7 سم وعرضها 3 سم.

ومن هذا نلاحظ ان الفرق الحقيقي بين الطاحونة والمجرشة هو في طول محيطها وبالتالي اتساع سطحها، وهذا بالتالي يجعل الطاحونة اثقل من المجرشة، وهذا الثقل يجعل

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5466&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق