مقدمة
للدعاية دور هام في تكوين الرأي العام، لذلك يعتمد السياسيون على الإعلام في تهيئة الرأي العام لتقبٌل السلوك السياسي، وقد عملت الحركة الصهيونية منذ البدء على إقامة كيان صهيوني لليهود، لذلك كانت دعايتهم تقوم على كل السبل التي تؤدي إلى هذا الهدف، وقد ظل هذا الهدف محور الدعاية الصهيونية، تحيط به الأهداف الأخرى مكملة له، وصار هدف الدعاية الصهيونية الأساسي العمل على إقامة الكيان الصهيوني ودعمه سياسيا وعسكريا واجتماعيا وثقافيا، ولذلك نظمت الدعاية الصهيونية اساليب مدروسة لتناسب عقليات وعواطف الجماعات المختلفة التي وجهت اليها رسالتها الإعلامية، سواء أكان هذا المتلقي يهوديا أو فلسطينيا أو عربيا أو مواطنا في المجتمع العالمي، لقد تفهم الصهاينة تأثير الرأي العام في البلدان الليبرالية وتأثيره على القرار السياسي في هذه البلدان ولهذا فقد جعلوا من الرأي العام شغلهم الشاغل، حيث أغرقوه بالمعلومات التي تبشر بآرائهم وأفكارهم السياسية، حتى أصبحت تلك البلدان حكرا عليهم ومغلقة أمام خصومهم.
هذا وتعتبر الدعاية الصهيونية من أنجح الدعايات الإعلامية التي تقوم بأكبر عملية غسل أدمغة على المستوى العالمي، يساعدها في ذلك امتلاك اليهود للإمكانيات الإقتصادية والمالية، إضافة إلى معرفة اليهود لأنسب الطرق لمخاطبة العقل الغربي، حيث سهلت عليهم جذورهم الأوروبية أن يحققوا اكبر عملية غسل دماغ بشرية في التاريخ لصالح قضيتهم التي عملوا من أجلها، ألا وهي تهويد فلسطين وتغيير معالمها.
يهدف هذا البحث إلى توضيح طبيعة العلاقات الشائكة والمعقدة بين السياسة الغربية في المنطقة العربية والتقبل الشعبي الغربي للمعايير المزدوجة الغربية، حيث سيتبين لنا أن الذهنية الغربية لا ترى تناقضا في ازدواجية المعايير، فالأمور المتعلقة بإسرائيل واليهود تتمتع بالحصانة، فيما يبرر كل عمل عدواني ضد العرب ويعتبر مقاومة للإرهاب، كما يهدف إلى توضيح العلاقة القائمة بين أصحاب النفوذ والمال ورجال السياسة والإعلام، كما سنعرف على أن الحقيقة يملكها من يملك وسائل الإعلام.
وسنحاول في هذا البحث الإجابة عن السؤال الإختباري: هل هناك علاقة بين الصهيونية ووسائل الإعلام وتشكيل الراي العام؟ فالإفتراض المقترح لهذا البحث هو: أن النفوذ الذي تتمتع به اسرائيل والحركة الصهيونية ليس نتيجة لمعجزة سماوية، بل هو نتيجة تحليل علمي لواقع المجتمعات الغربية ومعرفة قوته وضعفه، ثم نتيجة رسم سياسة إعلامية ودعائية للتأثير في هذه المجتمعات، بالإضافة الى التنظيم الدقيق لتجمعات الصهيونية وسيطرتها على مؤسسات مالية هامة، وسنعتمد في هذا البحث المنهج المقارن، ثم سنقارن ذلك بالجهود الإعلامية العربية، وذلك لتبيين الفجوة والفراغ في الآداء الإعلامي العربي.
ويقسم البحث إلى مقدمة وأربع فصول وخاتمة، بالإضافة إلى ثبت بالمراجع والمقالات المعتمدة في إعداد هذه الدراسة، ويتحدث الفصل الأول عن الدعاية الموجهة إلى اليهود أنفسهم،( الدعاية الصهيونية في المجتمعات اليهودية)، حيث أن مادة الدعاية الصهيونية هي الأقلية اليهودية المنظمة، الثرية والملتزمة بالدفاع عن اسرائيل والصهيونية، وهذا الوضع يتيح للدعية الصهيونية ميزة الدفاع عن قضية اسرائيل بواسطة مواطنين محليين يهود سواء في أمريكا أو أوروبا، يعرفون لغتها وثقافتها ويعرضون القضية في إطار القيم والمفاهيم والسلوك السائد في تلك البلدان، كما سيهتم البحث بالتعرض للمقولات الإعلامية التوراتية التاريخية، مثل مقولة شعب الله المختار، الأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، بالإضافة إلى توضيح دور الإعلام في تسخير مقولة ( العام القادم في اسرائيل) و (شلت يميني إذا نسيتك يا إسرائيل) حيث تمتلك هذه المقولات ألباب اليهود ويرتبطون بذلك روحانيا وعقائديا بإسرائيل، كما سنتطرق إلى دور الإعلام اليهودي في توحيد الدين والقومية وبطلان ذلك كما أن استعمال مفهوم الأرض الخالية من السكان سيوضح لنا مدى الصعوبة التي واجهها الإعلام الصهيوني في إقناع اليهود بالهجرة إلى فلسطين.
أما في الفصل الثاني (الدعاية الصهيونية في المجتمع اليهودي) فسوف نستعرض الجهود الإعلامية الصهيونية الموجهة للعرب والفلسطينين والعالم، وسنتعرف على مضمون الرسالة الإعلامية ودورها في تشويه الحقائق وتزييفها، مبينا اتجاه الدعاية الصهيونية إلى اتباع سياسة فرق تسد في العالم العربي، سواء بالتفريق بين المسلمين والمسيحيين من جهة، أو بين القبائل والعائلات، حيث عملت الدعاية الصهيونية على إبقاء الساحة العربية مفككة وضعيفة، كذلك نبين دور الإعلام الصهيوني في بث الرعب في قلوب الفلسطينين قبل التهجير، ثم تتابعت الهجمة الإعلامية أثناء مختلف الحروب العربية الإسرائيلية، كذلك يتضمن هذا الفصل استعراضا لدور الدعاية الصهيونية في إقناع سكان المناطق الغربية أن اليهود لهم حقوق تاريخية في استغلال فلسطين تؤلهم لإقامة دولتهم على أرضها، كما سنتعرف على استغلال الإعلام الصهيوني للمجازر النازية وذلك بعدم لوم اليهود على ما يفعلونه بالعرب.
أما الفصل الثالث فيحلل دور جماعات الضغط اليهودية ( اللوبي ) في السيطرة على وسائل الإعلام الغربية والأمريكية بشكل خاص، كما سنعرف على مدى تغلغل اللوبي الصهيوني بما يمتلكه من قدرات مالية في تشكيل وعي المواطن العادي وبالتالي توجيهه بطريقة غير مباشرة لاتخاذ القرار في الانتخابات بما يتناسب مع رغبة الإعلام المدعومة من قبل اللوبي الصهيوني، الأمر الذي يفقد الإنتخابات الأمريكية كثيرا من المصداقية والموثوقية رغم نزاهة الإجراءات الإنتخابية، فالانتخابات مرتبطة بعامل أسبق، هو الوعي الذي يمتلكه المواطن، فأين الحرية في ظرف تنفرد فيه طائفة سياسية دينية بالمقدرات الإعلامية التي تشكل وعي المواطن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق