الثلاثاء، 26 يناير 2010

علم إجتماع: النكبة والهوية-فولكلور اكتشاف الذات

يشكل الفلكلور(التراث الشعبي)، جذرا أساسيا في سياق التاريخ والجغرافيا من جذور الهوية الوطنية. وتحرص الشعوب بالضرورة، على حماية خصائصها الفولكلورية، تكريسا لخصائص هويتها الوطنية. وأي خلل في هذه الحماية، يتأسس عليه خلل في الهوية. وطالما جرى الاطمئنان على ذلك، تتلاقى الشعوب على المعنى الأعمق للفولكلور عامة، باعتباره جذرا إنسانيا، يتجاوز القوميات، إلى بيئة منفتحة على البشر أجمعين لكل نكبة أو كارثة تحل بشعب معين، قد تؤدي إلى زلزلة كاسحة في هذه المعادلة كلها، مما يرفع من وتيرة الالتفاف المؤرق إلى الفولكلور، والى الهوية. وأن الشعب الفلسطيني نموذج معاصر لمثل هذه النكبة ومؤثراتها.

النكبة: محو ونفي وإلغاء في الهوية:

في العام 1948 (15 أيار)، محيت فلسطين عن الخارطة السياسية في المنطقة، ونشأت في مكانها إسرائيل. وبذلك، تم إلغاء الهوية الفلسطينية(القديمة)، أمام استحداث الهوية الإسرائيلية (الجديدة). وتعرض الفولكلور الفلسطيني إلى نكبة مماثلة، تمثلت في النفي له، وفرض فقدانه، إلى درجة الادعاء تحت ثقل الهوية الأخرى (هوية الآخر)، بعدم وجوده أصلا.

وقد أخذ محو الهوية الفلسطينية آنذاك عدة عوامل:

ا- شكل الاحتلال الاستبدال داخل حدود إسرائيل (الجليل والمثلث والنقب) جواز سفر إسرائيلي للفلسطينيين الباقين في فلسطين(وقد أصبحت إسرائيل) بدلا من جواز السفر الفلسطيني.

ب- شكل الضم لما أصبح يسمى بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى المملكة الأردنية الهاشمية جواز سفر أردني للفلسطينيين في الضفة الغربية، واللاجئين الذين هجروا من الجليل والمثلث والنقب، وأقاموا في مخيمات في الضفة الغربية وشرقي الأردن، أو ما أصبح يسمى بالضفة الغربية.

ج- شكل الإلحاق لما أصبح يسمى بقطاع غزة، بسكانه الأصليين واللاجئين فيه، إلى مصر وثيقة سفر مصرية.

د- الشتات خارج حدود فلسطين والأردن،في لبنان، وثيقة سفر لبنانية، وفي سوريا وثيقة سفر سورية.

ه- الشتات خارج العالم العربي، جنسيات دول أخرى، أمريكية وأوروبية.

*الفولكلور:

فقد الشعب الفلسطيني أرضه، الأرض التي قامت عليها إسرائيل، الأرض الباقية من فلسطين(الضفة والقطاع) والتي لم تقم له أي سيادة وطنية عليها. وفقد على ذلك هويته السياسية كشعب ووطن.

وتشبث بالفولكلور، التراث الشعبي، الأمثال والحكايات والأغاني والنكات، على المستوى ألشفاهي، والأزياء، والأطعمة وبعض الأدوات، على المستوى المادي.

الفولكلور الشعبي في هذا السياق، هوية ثقافية، وهوية سياسية للحفاظ على الشخصية الوطنية المستقلة، من لا تراث له، لا وجود له.

لكنه اكتشف، تحت أثقال الضياع، أن الفولكلور ليس مجرد ذاكرة شعبية جماعية، تنمو في ذاتها، وتنشط تحت أي شرط ، وإنما هو أيضا، نتاج مشروط، في تاريخه وجغرافيتة، يحتاج إلى الأرض الوطن، والى المؤسسات التي ترعاه وتحميه من الطمس والتشويه والإلغاء والنفي والسرقة والادعاء، كما تحميه من الجمود والتحجر والانطفاء بمنهجية علمية.

إلى ذلك، اكتشف الشعب الفلسطيني أن نكبة في أرضه ووطنه، قد اشتملت على نكبة في فولكلوره:

أ- عملت إسرائيل على سرقة الفولكلور الفلسطيني، شفهيا كان أم ماديا: الأغاني والألحان(دلعونا)، والطابون والزي(الثوب النسائي). وان لم تستطع السرقة والسطو، حملت على التشويه والطمس والنفي له، على أساس ما تراه، أنه لا وجود للشعب الفلسطيني، وإذن، لا وجود لفولكلور فلسطيني من جهة، وأن الوجود الوحيد في المكان هو إسرائيل، فأن الفولكلور الإسرائيلي هو الوحيد الموجود في هذا المكان من جهة ثانية، يقول مناحيم بيغن:إن كل ما هو فلسطيني (في التاريخ والجغرافيا)، هو إسرائيلي بالضرورة منذ كان التاريخ، وكانت الجغرافيا:الشاقل(الشيقل) عملة إسرائيل الجديدة، بدلا من الليرة-الجنيه كنعاني ترثه إسرائيل على ذلك، ولو كان ميراثا فلسطينيا.

ب- الدول العربية:

الدول العربية المجاورة لفلسطين، ترث التراث الشعبي/الفولكلور الفلسطيني، وبخاصة الأردن ولبنان وسوريا.

هل هو ميراث/امتداد للقومية العربية؟للعروبة؟للإسلام؟

1- يمكن أن نتلمس الجذور، في أطار المواجهة الفلسطينية المبكرة، لما قبل النكبة:

* عقد المشتغلون بالحركة الوطنية، المؤتمر الفلسطيني الأول عام 1919في القدس، واقر هذا المؤتمر رفض وعد بلفور، والهجرة اليهودية، والانتداب الإنجليزي، وحدد مطالب العرب بالوحدة السورية، باعتبار فلسطين جزء من سوريا، وقرر تسمية فلسطين-سوريا الجنوبية-

* أصدر مؤتمر لرجال دين المسلمين في 10/3/1924، دعا إليه الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وحضره ممثلين عن مناطق فلسطين المختلفة، أصدر فتوى مبايعة الحسين بن علي خليفة للمسلمين.

* تشكيل اللجنة العربية العليا برئاسة المجلس الإسلامي الأعلى لقيادة كفاح الشعب الفلسطيني.

* نداء الملوك العرب: السعودية، اليمن، العراق، شرق الأردن، لوقف إضراب 1936 في فلسطين.

* الإضراب في فلسطين:عربية أكثر منها فلسطينية:

- حزب الاستقلال العربي.

- الحزب العربي الفلسطيني.

* قرار التقسيم عام 1947:دولة يهودية، ودولة عربية(ولم يقل فلسطينية).

أدى فلسطين إلى ذلك بين مشروعين، بالنسبة لشعبها وفولكلورها:

- الصهيوني الإسرائيلي: وهي ترفضه وتقاومه.

- العربي الاسلامي: وهي تندمج فيه، وتجعل منه طريقها إلى التحرير/الوحدة.

2- ويمكن متابعة هذه الجذور، مع نشوء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964: الميثاق القومي(القومية العربية)وليس الميثاق الوطني(الوطنية الفلسطينية)حتى جرى تعديله إلى الوطني في العام 1968.

اكتشاف الذات:

مع هزيمة العام1967، أعاد الشعب الفلسطيني اكتشاف معاني نكبته في العام 1948، ومن هذه المعاني، ما يتعلق بالفولكلور، وأهميته في إعادة بناء شخصيته المستقلة.

وقد حرصت منظمة التحرير الفلسطينية، بعد تعديل ميثاقها، واحتواء العمل الفدائي على هذا المعنى الفولكلوري الجديد في سياق إحياء الهوية الوطنية الفلسطينية ثقافيا وسياسيا:

أمثلة على هذا الحرص:

- مجلة التراث والمجتمع في البيرة التي تصدر عن مركز التراث الشعبي الفلسطيني في جمعية انتعاش الأسرة ابتداء من عام 1974.

- ترجمة كتب ومقالات تراثية فلسطينية كانت قد كتبت ونشرت في السابق بلغات أوروبية، بعضها لمؤلفين فلسطينيين مثل توفيق كنعان، وأسطفان أسطفان، وبعضها لمؤلفين أجانب مثل كتاب قصص شعبية فلسطينية:أعداد د.هانس شميدت، و د.بول كاله1917(تعريب موسى علوش-بيرزيت عام 1990).

- مجلة الجني-بيروت نشرة غير دورية تعنى بالثقافة الشعبية.

- كتب وأبحاث ودراسة فولكلورية جديدة، لباحثين ومؤلفين فلسطينيين داخل فلسطين وخارجها.

- أغاني الثورة واستلهام اللحن الفولكلوري.

- معارض تراثية، ومهرجانات ومؤتمرات وندوات حول الفولكلور.

النص الكامل

http://www.najah.edu/index.php?news_id=5475&page=3171&l=ar

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق