مقدمة
يواجه العرب، فيما يواجهون من وسائل العداء والاستعداء التي يستخدمها العدو الصهيوني، سلاحا عصريا ماضيا، يخترق العقول والأفئدة بلبوس حضارية يتسلل بها إلى المتلقين بإثارة بارعة وألوان زاهية، محملاً بكل ما أفرزه اجتماع مزايا الفنون البصرية والسمعية في فن واحد أسموه "الفن السابع" وقد عرف منذ اختراعه عام 1895 باسم "السينما" في حين يطلق عليه بعض اللغويين العرب اسم "الخيالة". ويتزامن تسلل الفكر الصهيوني إلى فن السينما مع المؤتمر الصهيوني الأول ( بازل _ سويسرا، 29_31/8/1897) عندما وافق المؤتمر بقيادة تيودور هرتزل على برنامج يدعو إلى" وطن قومي آمن ومعترف به قانونياً لليهود في فلسطين". كما يتزامن ذلك مع البدايات المبكرة لهذا الفن الذي اصبح فيما بعد من أكثر الفنون انتشاراً وتأثيراً في العالم.
استغل القادة الصهاينة الأوائل هذا الإكتشاف منذ نهاية القرن الماضي، أي أن عملية التسلل من خلاله، ثم الإختراق، وفيما بعد الاحتواء، تمتد على مدى تسعين عاماً، إذ حقق المخرج الفرنسي جورج ميلييس عام 1899، وبعد أربعة أعوام فقط من اختراع فن السينما، شريطاً وضع في خدمة الأهداف الصهيونية، وهو عن قضية دريفوس المعروفة، ذلك الضابط اليهودي الذي طرد من صفوف الجيش الفرنسي بتهمة الخيانة، فاستغلت قضيته على اعتبار أنه يهودي، ولهذا لقي الاضطهاد، ومن هنا كان الدفاع الذي دافع بهعنه الكاتب المعروف اميل زولا. قد حظي هذا الشريط بإعجاب القادة الصهاينة الذين كانوا يدعون إلى تهجير يهود العالم المضطهدين في كل مكانإلى ارض الميعاد في فلسطين. وبهذا يكون هذا الشريط البداية الأولى لإعلان الصهيونية حربها على جبهة السينما، إذ كانت خطتها في هذا الميدان وحتى عام 1948، عام إعلان كيان دولتها على أرض فلسطين العربية، تهدف إلى أمرين اثنين :
1- التوجه إلى يهود العالم للهجرة إلى فلسطين
2- إثبات ما اعتبرته الحق التوراتي في أرض فلسطين.
كما أن الأفكار الصهيونية ما كان يمكن أن يقدر لها لتتحول إلى كيان سياسي دون مساعدة خارجية، كذلك السنما الصهيونية_ وهي جزء من تلك الافكار _ ما كان لها أن تتوسع وتنتشر في العالم وتخترق المهرجانات، وتسيطر على شركات الإنتاج والتوزيع ودور العرض، لولا الدور الذي قامت به الإمبريالية الغربية و"يهود الشتات"، ولولا علاقة الصهيونية بالاستعمار، واستفادتها من حاجة الاستعمار الغربي إلى قاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك استفادتها من المناخ الفكري والحضاري الذي خلفته الأمبريالية.
أولاً: في السينما الصهيوني
وتعتمد الصهيونية في ميدان السينما، أساليب ووسائل مختلفة ومبتكرة لتضليل الرأي العام العالمي من خلال استراتيجية متكاملة داخل الكيان الصهيوني وخارجه، تمتد على مساحة واسعة من العالم، وتستخدم مناورات مدروسة وتقنيات متطورة، لتحقيق غاياتها وأهدافها، الآنية والمستقبلية، ولهذا أوجدت مؤسسات سينمائية أقرب ما تكون إلى الشكل الرسمي داخل عدد من بلدان العالم.
ويقسم الذين درسوا السينما الصهيونية_ على قلة الدراسات المنشورة حول هذا الموضوع_ تاريخ هذه السينما الصهيونية إلى أربع مراحل زمنية رئيسية: الأولى: بين إنتاج شريط قضية دريفوس عام / 1899وعام/1948 والثانية: بين عام / 1948(عام قيام الكيان الصهيوني) وعام/(عام نكسة حرب يونيو/ حزيران)، الثالثة : بين عام النكسة وبداية الثمانينات، الرابعة : وتبدأ مع عقد الثمانينات حتى الآن حين دخلت السينما الصهيونية مرحلة الإختراق الكبير لمهرجانات السينما العالمية والسيطرة المباشرة، وغير المباشرة على شركة الإنتاج السينمائي، وبخاصة في هوليود التي يملكها، ومنذ بدايات هذا القرن، رأسماليون يهود، وهي شركات : (متروغولدين ماير_ كولومبيا_ وارنر_ بارامونت_ فوكس للقرن العشرين_ يونيفرسال_ يونايتيد ارتيست)، إضافة إلى استقطاب عدد كبير من السينمائيين في العالم، لتحقيق أفلام سينمائية وتلفزيونية لخدمة أغراض الصهيونية في الدعوة إلى " حق اليهود التوراتي" على أرض فلسطين وسد الطرق على الدعاوة العربية والحق العربي، وتحقيق التغطية المطلوبة لأية عملية عدوانية، أو أي هجوم توسعي، أو برنامج استيطاني، على حساب الأرض العربية، وعلى حساب حقوق الشعب العربي.
وحين ترجمت بروتوكولات حكماء صهيون إلى العربية، تبين أن هناك ضمن وثائقها وثيقة تدعو إلى استغلال الفنون الجديدة وتسخيرها لمصلحة الصهيونية العالمية، فمن بين أربعة مقررات اتخذها المؤتمر الصهيوني الأول، خصص واحد للثقافة والإعلام، ونص البند الثالث منه على " ضرورة نشر الروح القومية والوعي القومي بين يهود العالم وتعزيزها، وتنفيذاً لهذا القرار، نشطت السينما الصهيونية منذ السنوات الاولى لنشوء هذا الفن، وبدىء باستخدام هذا ( السلاح ) في : 1- مخاطبة اليهود االذي عرفوا ب"يهود الشتات" للهجرة إلى فلسطين، 2- استغلال الاشرطة السينمائية في جمع التبرعات لصالح إسرائيل، 3- تبرير المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ( بعد الهجرة) بحق العرب.
وهكذا نجد أن مفهوم السينما الصهيونية تركز في البدء على أسس عامة، ثم تبلور فيما بعد، حسب مقتضيات الحاجة والضرورة والخطط الآنية والاستراتيجية الصهيونية، عبر مراحل تطورها التاريخي حول محاور رئيسية كان أهمها : تكريس المفاهيم الصهيونية، ودعم فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، واستثارة عطف الاوروبين والامريكيين على اليهود، والتركيز على استغلال موضوع " اللاسامية"، وتضخيم فكرة اضطهاد اليهود في كل مكان من العالم، وبخاصة حول ما اثير من موضوعات الاضطهاد النازي لهم إبان الحرب العالمية الثانية، وإضفاء الطابع الإنساني على الفكر الصهيوني، وتأكيد حق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن مع ربط هذا المبدأ بحق اليهود في أرض فلسطين وإغفال ما عداه.
النص الكامل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق