إن تسمية هذا النوع من الشعر بالشعر الشعبي لتدل على أن هذا الشعر يصدر عن الشعب ويصدر عن وجوده ونمط حياته، فهو شعبي في وجوده، شعبي في أشكاله المختلفة، شعبي في مضامينه حيث بدا على سطح المجتمع في بكل ابعاده وجوانبه. ولقد عالج الشعر الشعبي ظواهر كثيرة على سطح المجتمع الفلسطيني، وسنتحدث في الصفحات التالية عن نظرة الشاعر الشعبي للمرآة وكيفية عرضه لقضية غلاء المهور التي تعتبر قيدا قاسيا ادمى معصميها على كل العصور. وقد أدرك الشاعر الشعبي حقيقة الدور الذي يجب عليه تأديته في هذا المجال واهمية الموقف الذي يجب عليه ان يقفه في عرضه لهذه القضية.
لقد عانت الفتاة العربية القهر والاستبداد على مر العصور، حيث قيدت بقيود العادات والتقاليد الموروثة، تلك العادات التي وضعت المراة في غير مكانها الحقيقي، ولسنا بصدد الحديث عن وضع الفتاة العربية، بل نريد أن نظهر ملامح الرفض في الشعر الشعبي لواقع الفتاة من خلال بعض القصص الشعرية المتوافرة، والتي تعرض جزا من مشاكل الفتاة.
يا مهما نسيت ما بنسى هواك بقلبي بتنعشوا نسمة هواك
وما بنساش أيام العريشة في سطح البيت قربك يا ملاكي
وتحملنا الليالي مثل الريشة مع الأحلام في مجلس
عشت فيها ومعي كنت تعيشي مثل طيرين رفوا في سماك
وأمانينا خضر مثل الحشيشة مع النجمات راح تزهر في سماك
وهناك تداخل واضح بين أوصاف الفتاة والأرض، بحيث يسمو الوصف عن المعاني الحسية المادية(الوصف الحسي) إلى هذا النوع من الوصف الذي يجسد العلاقة الجدلية بين الأرض والفتاة، لان هذه وتلك حملان معنى وجود الإنسان. يوجد عدد غير قليل من قصائد الشعر الشعبي التي توضح هذا المزج، كما أن الشاعر الشعبي في معظم الأحيان عندما يهيم في بحر الغرام يجعل من العرائس والبيادر مسرحا لهذا الغرام، تأكيدا لما ذكرنا.
ولقد خطا الشعر الشعبي خطوة كبيرة إلى الإمام، في موقفه من الانسانة عندما اخذ يتناول بعض القضايا الهامة في حياتها، مثل استغلالها، وقضية المهر التي تتخذ في بعض الاحيان وسيلة للحيلولة دون شعورها بقيمتها. ولنا ان نثبت قصيدة طويلة للشاعر ابي بسام الحلماوي حيث عكست هذه القصيدة الموقف الرافض لاستعباد الفتاة واستغلالها والداعي لتحريرها، اجتماعيا واقتصاديا:
مرت علي قصة عن غني الا يجمع المال ما هو معتني
مر الزمان وكل سنة تتبع سنة ما بدو يشبع والذهب عنده أكوام
الخير عمره بزمانه ما اقترب كل انشغاله بالجواهر والذهب
الموت عمرو بزمانو ما اقترب تايحن ع المحتاج بلقمة الطعام
عايش بها الدنيا بلامبدا أو ضمير ما كان يعطف في زمانوع فقير
عندو صبية تشبه البدر المنير مبشنقة بمنديل عز واحتشام
هلبنت هلي تربت بعز ودلال اخلاقها بالفعل آية من الكمال
متعلمة في علمها صارت مثال لكن أبوها عليها جاني يا حرام
قالت يا ابوي بدي اروح الجامعة بشهادة التوجيهي مني قانعة
بدكترة أو صيدلة أنا طامعة حتى أنال المجد أو وكل الاحترام
قال لها دكتورة شو هذا المقال الصيدلة كثير تجيب الك مال
توظفي يا بنتي تانجمع المال حتى بدرب الغنى نمشي للإمام
ما اقتنعتش هالبنت بس تاففت قدام ابوها ما حكت بس تلطفت
طلبت وظيفة وبعد جمعة توظفت وكل يوم صارت بدري تنزل ع المدرسة
صارت تداوم هالبنت في المدرسة تخصصت بالجبر وعلم الهندسة
لكن لو انهى في البساط السندسي بتشوف انوا الحظ خالفها وظلم
عن هالبنت واخبارها شاع الخبر إنها جميلة ومثل درة من الدرر
تقدموا الخطاب مثل زخ المطر ومن قلب ابوها العطف مات وانعدم
من كثر ما براتبها عندو طمع بحيث انو عالطمع قلبوا انطبع
بفكرة عدم جيزتها يا ناس اقتنع وحكم عليها بظلم حكموا وما رحم
كبرت البنت والحزن معها كبر تشوشت اراءها وحار الفكر
بدون الزوج شو نفع حتى التبر بتشوفوا عادياتها مثل الحمم
اعتبروا من كل هالقصة يا عباد ان الطمع بجذب مآثم مع فساد
ووجود هذا الصنف يا ناس في أغلى البلاد من حبهم للمال صرحك انهدم
البنت نصف المجتمع بهالوجود لا بكبلوها بالسلاسل والقيود
بكل محفل لازم تثبت وجود وان تركت هالمصير يقرره
بصير وجود البنت مثل العدم
فهذه القصة التي حاك خيوطها شاعرنا الشعبي بهذه العبارات البسيطة التلقائية، تصور واقعا نراه دائما في القرى الفلسطينية، وهي وان كانت كذلك فإنها تعبر عن الموقف الحازم والعازم لتحطيم القيود التقليدية البالية، وثورة عارمة على العادات التي تطفوا على سطح المجتمع طفو الأجسام الغريبة على سطح الماء. والقصيدة ككل تبين لنا شريحة من الشرائح الاجتماعية الموجودة في المجتمع الفلسطيني والتي تطمع في جمع المال وكنزه، وحرمان الكثير من الفقراء من رؤيته. ولم تكن مصادر هذه الكنوز باشرف من هؤلاء الذين وصفهم الشاعر، لأنهم يجمعونها من على اكتاف الآخرين. وتصوير الشاعر لحال هذه الفتاة البائسة وحال أبيها المجرم الطامع هو تعبير عن الامتعاض من تصرفات وممارسات هؤلاء الذين قيدوا الفتاة بقيود الطمع، وهو بالتالي محاولة للقضاء على مثل هذه الظاهرة والخلاص منها خلاصا نهائيا، حيث يطلب الشاعر من الناس ان يتخذوا من هذه القصة عبرة لهم في كيفية تعاملهم مع الفتاة، فالطمع كما يقول الشاعر يجلب المآثم والفساد والظلم للمجتمع وان وجود الطامعين في أغلى البلاد يشكل معول هدم في الصرح الاجتماعي. فالفتاة جزء من المجتمع بدونها يفقد المجتمع استمرارية البقاء، حيث أنها أم الأجيال ومربيتها. فالشاعر لا يقرا أي منطق يكبل ابدي الفتاة ويريد لها ان تثبت وجودها في كل محفل وتشارك الرجل في كل المجالات. وما ان وصل الشاعر إلى نهاية القصة حتى تطرق إلى تقرير مصير الفتاة الذي لا يمكن ان يكون بيد الغير، بل يجب ان يكون بيدها هي، وألا فسيكون وجودها مثل العدم.
النص الكامل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق